الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
99
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وتخصيص وصف عَلَّامُ الْغُيُوبِ من بين الأوصاف الإلهية للإشارة إلى أنه عالم بالنوايا ، وأن القائل يعلم ذلك فالذي يعلم هذا لا يجترئ على اللّه بادعائه باطلا أنه أرسله إليكم ، فالإعلام بهذه الصفة هنا يشبه استعمال الخبر في لازم فائدته وهو العلم بالحكم الخبري . ويجوز أن يكون معنى : يَقْذِفُ بِالْحَقِّ يرسل الوحي ، أي على من يشاء من عباده كقوله تعالى : يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ [ غافر : 15 ] ويكون قوله عَلَّامُ الْغُيُوبِ إشارة إلى أنه أعلم حيث يجعل رسالاته لأن المشركين كانوا يقولون : لولا أنزلت علينا الملائكة دون محمد . وارتفع عَلَّامُ على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي هو علّام الغيوب ، أو على أنه نعت لاسم إِنَّ إما مقطوع ، وإما لمراعاة محل اسم إِنَّ حيث إنها استوفت خبرها لأن حكم الصفة حكم عطف النسق عند أكثر النحاة وهو الحق . وقال الفراء : رفع الاسم في مثل هذا هو غالب كلام العرب . ومثّله بالبدل في قوله تعالى : إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ [ ص : 64 ] . وقرأ الجمهور الْغُيُوبِ بضم الغين . وقرأه أبو بكر وحمزة والكسائي بكسر الغين كما جاء الوجهان في باء « بيوت » . [ 49 ] [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 49 ] قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ ( 49 ) أعيد فعل قُلْ للاهتمام بالمقول كما تقدم آنفا . وجملة قُلْ جاءَ الْحَقُّ تأكيد لجملة قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ [ سبأ : 48 ] فإن الحق قد جاء بنزول القرآن ودعوة الإسلام . وعطف وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ على جاءَ الْحَقُّ لأنه إذا جاء الحق انقشع الباطل من الموضع الذي حلّ فيه الحق . و يُبْدِئُ مضارع أبدأ بهمزة في أوله وهمزة في آخره والهمزة التي في أوله للزيادة مثل همزة : أجاء ، وأسرى . وإسناد الإبداء والإعادة إلى الباطل مجاز عقلي أو استعارة . ومعنى ما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ الكناية عن اضمحلاله وزواله وهو ما عبر عنه بالزهوق في قوله تعالى : إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً في سورة الإسراء [ 81 ] . وذلك أن الموجود الذي تكون له آثار إمّا أن تكون آثاره مستأنفة أو معادة فإذا لم يكن له إبداء ولا